مايويونيو 2017يوليو
>>الالالالالالال
>272829303112
>3456789
>10111213141516
>17181920212223
>24252627282930
>1234567
 
 
العدالة الجنائية الدولية
 

 العدالة الجنائية الدولية

2 ـ 4 ديسمبر 2006

عندما ترتكب الجرائم الخطيرة وتفلت من العقاب ، يمكن أن يترتب على ذلك نتائج جسيمة بالنسبة إلى الأفراد والجماعات ، و بالنسبة إلى الاستقرار الوطني والإقليمي ، فمثل هذه الجرائم الخطيرة ـ كما ورد في ديباجة نظام روما الأساسي ـ " تهدد السلم والأمن والرفاه في العالم "، لذلك تكاتفت جهود الإنسان من أجل إيجاد آلية قوية ومستقلة قائمة على تحقيق العدالة الجنائية الدولية، مهمتها الحفاظ على الأمن الدولي وإعادة السلام إلى مختلف أنحاء المعمورة ، فضلاً عن أن إنشاء تلك الآليات يعكس تطور شعور الشعوب بالمسئولية والعدالة كقيم معترف بها على المستوى الدولي أو سياسات ضرورية لأمن النظام الدولي وإعادة السلام .

وتطبيقاً لما تتسم به العدالة الجنائية من عالمية وما تتطلبه من تعاون بين الدول نظم معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية بالاتفاق مع المركز القانوني الجنائي والعدالة الجنائية بجامعة درهام البريطانية دورة تدريبية حول العدالة الجنائية الدولية
وشارك فيها على امتداد جلسات عمل نظرية وتطبيقية مكثفه لفيف من رجال القضاء وأعضاء النيابة العامة ، إضافة إلى عدد من المحامين ورجال القانون العاملين بالإدارة العامة للتحقيقات في وزارة الداخلية والحرس الوطني .

وحاضر في هذه الدورة القاضي الدولي بالغرفة الاستئنافية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لروندا وولف جانج شومبرج ، ومدير مركز القانون الجنائي والعدالة الجنائية والأستاذ بقسم القانون في جامعة درهام بالمملكة المتحدة البروفيسور مايكل بولاندر ،والمستشار بإدارة التعاون الدولي والتخطيط بوزارة العدل في دولة الإمارات العربية المتحدة الأستاذ عادل ماجد ،وارتكزت الدورة على عدة محاور عكست الغنى المعرفي للمحاضرين والمشاركين وكرست حوار الخبرات العالمية مع الأطر الوطنية .

وانتظمت المحاور الأساسية للدورة ما يلي :

1ـ تطور العدالة الجنائية الدولية والتحديات التي تثيرها:

وقد تطرق المحاضرون إلى أن أولى المحاكم الدولية كانت في القرن الخامس عشر عندما شكلت للمرة الأولى في 1474 محكمة دولية خاصة (ad hoc) مؤلفة من 27 قاضياً ينتمون إلى ألمانيا وسويسرا والنمسا لمحاكمة بيتر دوها غنباخ ، المتهم بالقتل والاغتصاب وبجرائم أخرى ضد ما كان يسمى ، " قوانين الله والإنسان " ، لكن تلك المحكمة كانت هي الوحيدة على مدار أربعة عقود من الزمن ، إذ لم تطرح فكرة إنشاء محكمة دولية إلا أوائل القرن التاسع عشر من خلال غوستاف مونييه ، مؤسس الصليب الأحمر الذي تقدم في 1872 باقتراح بهذا المعنى " بهدف تأمين تطبيق معاهدة جنيف لعام 1864 " بعدما لاحظ عدم كفاية العقوبات المعنوية" وهكذا أنشأ الحلفاء المنتصرون إبان الحرب العالمية الأولى لجنة تحقيق دولية ، ثم نصت معاهدة فرساي على إنشاء محكمة جنائية خاصة لمحاكمة قيصرألمانيا وليام الثاني لدوره في إشعال الحرب ، كما نصت على محاكمة ضباط الجيش الألماني أمام المحاكم العسكرية التابعة لدول الحلفاء ، وسمحت تجربة محكمة نورنبرغ باستخلاص دروس كان أهمها اقتراحاً تقدم به عام 1947 القاضي الفرنسي هنري دونديو دوفابر ، وكان عضواً في تلك المحكمة، ويرمي إلى إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة .

ثم توالت جهود الأمم المتحدة كثيفة ولافتة، وكان من أبرز نتائجها:

ـ إنشاء لجنة الخبراء المشكلة بناء على قرار مجلس الأمن رقم 780 للتحقيق في جرائم الحرب وانتهاكات القانون الإنساني في يوغسلافيا السابقة (1992)، وإنشاء محكمة جنائية خاصة في 8/11/1994 ،إذ أصدر مجلس الأمن قراره رقم 955 بإنشاء محكمة جنائية دولية لرواندا ومركز هاتين المحكمتين هو مدينه لاهاي بهولندا .

ـ وفي 27/8/1998 أصدر مجلس الأمن القرار 1192 ، وفيه رحب بالمبادرة المتعلقة بمحاكمة الشخصين الموجهة إليهما تهمة تفجير طائرة " بانام " أمام محكمة اسكتلندية تعقد في هولندا ، بعد قرارين سابقين نصا على عقوبات اقتصادية على الجماهيرية الليبية ، إثر حدوث هذا التفجير.

وفي الوقت ذاته كانت دوائر الأمم المتحدة وخبراؤها يعكفون على مسألة إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة ، لايقتصر اختصاصها على بلد محدد أو حالة محددة ،وتوجت هذه الجهود بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ( La Cour penale international) عندما صادقت 120 دولة على نظام المحكمة المعروف بنظام روما في 17/7/1998 ، وهذه الأخيرة لاعلاقة لها بمحكمة العدل الدولية .

2ـ المحاكم الجنائية الدولية الخاصة :

وأُنشِئت المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو ما يصطلح عليه بـ (ad hoc) لمنع إفلات العديد من الاعتداءات الوحشية والجرائم ضد الإنسانية من العقاب ، فبعد كل حرب أنشئت لهذا الغرض لجان تحقيق ومحاكم دولية خاصة لتحقيق العدالة ، فخلال الفترة الواقعة ما بين العامين 1919 ، 1994 تم إنشاء خمس لجان تحقيق دولية خاصة وأربع محاكم جنائية دولية خاصة تحت مسميات قانونية مختلفة بشأن الجرائم التي وقعت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية  وما بعدهما ،وجاءت نتائج العديد منها مغايرة لهدفها المنشود في معاقبة المجرمين وتحقيق العدالة، ولعل أهم لجان التحقيق والمحاكم التي شكلت في هذا الإطار :

لجنة 1919 لتحديد مسئوليات مبتدئي الحرب وتنفيذ العقوبات ، لجنة الأمم المتحدة لجرائم الحرب ( عام 1943 )، المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ ألمانيا ( عام 1945 )، لجنة الشرق الأقصى والمحكمة الدولية للشرق الأقصى في طوكيو ( عام 1946)، لجنة الخبراء لتقصي الحرب في يوغسلافيا السابقة ( عام 1992) ،المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة  (عام 1993) ، لجنة الخبراء لرواندا ( عام 1994) ، والمحكمة الجنائية الدولية بسيراليون ، إضافة إلى المحاكم الاستثنائية الخاصة بكمبوديا أو تيمور الشرقية .

لكن تلك اللجان والمحاكم الدولية كانت محصورة بمتهمين محددين في نزاعات محددة ، لذلك صارت الحاجة ضرورية أكثر وأكثر لإنشاء نظام دولي قوي لتحقيق العدالة الجنائية الدولية .

3ـ الاختصاص بالجرائم الدولية أمام القضاء الوطني والمحاكم الجنائية :

الاختصاص الجنائي أو بالأحرى الولاية القضائية لمحاكم الدولة على المسائل الجنائية ، هي إحدى صور ممارسة الدولة لسيادتها ، فالأصل العام هو اختصاص المحاكم الوطنية بما يرتكب على إقليم الدولة من جرائم طبقاً لمبدأ إقليمية القانون الجنائي ، وبما يرتكب من مواطني الدولة من جرائم ولو وقعت في الخارج طبقاً لمبدأ الاختصاص الشخصي بالجريمة .

والأمر ذاته ينطبق على الجرائم الدولية ، حيث يمكن خضوعها لقواعد الاختصاص المتقدمة ذاتها ، بالإضافة إلى مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي. وتعد المحاكم الوطنية الآلية الأولى المناسبة للتصدي للجرائم الدولية للأسباب التالية :

أـ إن ذلك يعد من قبيل الحفاظ على سيادة الدولة التي ارتكبت الجرائم في إقليمها .

ب ـ إن الأدلة المادية على ارتكاب تلك الجرائم غالباً ما توجد في إقليم الدولة التي ارتكبت بها تلك الجرائم .

ج ـ إن المجني عليهم و الشهود غالباً يوجدون في إقليم الدولة التي ارتكبت بها تلك الجرائم.

دـ إن من مصلحة العدالة أن يشاهد الضحايا وذووهم المحاكمات تجرى أمام عيونهم على الإقليم ذاته الذي ارتكبت فيه تلك الجرائم .

هـ ـ تحقيق الردع الخاص والردع العام على إقليم الدولة التي ارتكبت فيها تلك الجرائم .

بالإضافة إلى الأسباب الموضوعية المتقدمة التي ترشح لاختصاص القضاء الوطني بالجرائم الدولية وخاصة إذا تم ارتكابها بإقليم الدولة المعنية ، فإن الاتجاهات الحديثة في العدالة الجنائية الدولية تلقي العبء الأساسي بمكافحة الجرائم الدولية وملاحقة مرتكبيها على عاتق القضاء الوطني ،وإن مبدأ الاختصاص التكميلي الذي يعد إحدى دعائم النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعكس هذا الاتجاه ، في حين تعتبر المحكمة الجنائية الدولية مختصة عند تحقق الشروط الآتية :

ـ أن تكون الجريمة محل الاتهام قد ارتكبت في إقليم دولة من الدول المصادقة على نظام تلك المحكمة ، أو بمعرفة أحد رعاياها ، أو عندما توافق دولة ليست طرفاً على اختصاص هذه المحكمة وتكون الجريمة قد ارتكبت على إقليمها ، أو يكون المتهم أحد رعاياها ، فلكل دولة الحق في أن تنقل اختصاصها القضائي إلى دولة أخرى أو إلى هيئة دولية للمحاكمة بدون أن يعتبر ذلك انتهاكاً لسيادتها الوطنية ولاتقليلاً منها .

ـ لايشمل اختصاص هذه المحكمة الجرائم التي ارتكبت قبل سريان مفعول نظام روما
عام 1998 ،ولايشمل اختصاصها أيضاً الدول التي تنضم إلى هذه المعاهدة لاحقاً إلا في 17/7/1998  بخصوص الجرائم التي ارتكبت قبل نفاذها على الدولة المنضمة .

ـ يجوز للدولة عندما تصبح طرفاً في هذه المعاهدة أن تختار تأجيل تطبيق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بجرائم الحرب لمدة سبع سنوات .

ـ يطبق اختصاص هذه المحكمة على الأفراد الذين يرتكبون جريمة بعد بلوغهم سن الثامنة  عشرة فقط وليس لهذه المحكمة اختصاص على الدول أو الهيئات المعنوية
( الاعتبارية ) ولاتحول الحصانات الدولية أو الوطنية للأشخاص دون ممارسة المحكمة لاختصاصها قبلهم .

ـ يشمل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية من حيث الموضوع أربع جرائم دولية محددة ، هي جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية ، وجرائم الحرب ، وجريمة العدوان.


 

4ـ مصادر القانون الجنائي الدولي :

إن مصادر القانون الجنائي الدولي ـ  بالمعنى القانوني ـ ،التي تطبقها المحكمة، قد حددتها المادة 38 من نظامها الأساسي  الذي يشكل جزءً لايتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة ،وتلك المصادر هي:

أـ الاتفاقيات الدولية سواء أكانت عامة أم خاصة .

ب ـ العرف الدولي بصفته إثباتاً للممارسة العامة المعترف بها كقاعدة قانونية .

ج ـ المبادئ العامة للقانون .

دـ أحكام المحاكم وقراراتها ووثائقها .

5ـ أركان الجرائم الدولية :

وفقاً لنص المادة 9 من النظام الأساسي تستعين المحكمة في توافر الجرائم التي ينعقد لها الاختصاص بنظرها وقيام أركانها  بتفسير المواد 6 ، 7 ، 8 من هذا النظام ، وتتطلب الجرائم الدولية توافر الركن المادي والركن المعنوي ، كما أورد نص المادة 5 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أنواع الجرائم التي تختص بها، وهي الإبادة الجماعية وجرائم الإنسانية ، وجرائم الحرب ، وجريمة العدوان ( التي لم يتم الانتهاء بعد من التحديد النهائي لتعريفها وأركانها الرئيسية)، وقد عرف الحضور في الدورة أركان هذه الجرائم على النحو التالي:

أولاً ـ الأركان المميزة لجريمة الإبادة الجماعية :

أ ـ ارتكاب السلوك المحظور بمقتضى المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يكون محله شخصاً أو أكثر ، وهذا السلوك هو أي فعل من الأفعال التي حددتها تلك المادة بقصد إهلاك جماعة إهلاكاً كلياً أو جزئياً .

ب ـ أن يكون الأشخاص المجني عليهم منتمين إلى جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية وأن تكون هذه الصفة هي الدافع إلى ارتكاب الجريمة .