مايويونيو 2017يوليو
>>الالالالالالال
>272829303112
>3456789
>10111213141516
>17181920212223
>24252627282930
>1234567
 
 
مكافحة الاتجار بالبشر
 

مكافحة الاتجار بالبشر

1 مايو 2008

******************

استقرت مسألة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في الضمير الإنساني باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من نظام الحكم في كل دولة ، بل أصبحت تمثل البنيان الذي يجب أن يقوم عليه النظام الاقتصادي والاجتماعي لأي مجتمع ، إلا أن تلك الحقوق والحريات تتعرض دوماً وفي مختلف الأمم – وإن بدرجات متفاوتة - للسلب والتهديد والانتقاص من بينها،و من ذلك التفرقة العنصرية والاضطهاد، والاتجار بالبشر ،وغيرها من الطرق الأخرى.

وقد كان المنهج الإسلامي سباقاً في العناية بالفرد وتحصين حقوقه من حيث الشمول والتفصيل ، حتى أنه لم يصل إلى دقته وسموه أي نظام فلسفي، أو أخلاقي أو اجتماعي من صنع البشر،   فقد جاء الإسلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان ليقرر أن للإنسان حقوقاً يجب أن تراعى فالشريعة الإسلامية العدل مقصدها ، والسلام والأمن غايتها، وتحقيق مصالح الناس هدفها ومبتغاها ، والكرامة الإنسانية محلها وموضوعها وأساسها.

وانطلاقاً من هذا الأساس بنت الكويت التزامها صيانة الحقوق والكرامة الإنسانية قبل أي اتفاقية، حتى صار ذلك عرفاً وتقليداً داخل المجتمع ، بالإضافة إلى التزامها ما جاء بجل المواثيق الدولية ؛ فقد أكد الدستور الكويتي في المادة (29) منه على أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين.

وقد حرص الدستور الكويتي والتشريعات الوطنية على حفظ كرامة الإنسان ومنع استخدامه في أعمال تحط من كرامته سواء بالاختيار أو بالإكراه (أعمال السخرة أو العمل الاجباري) وكذلك أفعال الدعارة المنافية للأخلاق، والاستغلال الجنسي والعنف فذلك كله يعتبر اتجاراً بالبشر، ويظهر حرص الدستور الكويتي على ذلك فيما نص عليه في المواد التالية:

المادة (9) : إن الأسرة أساس المجتمع ، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، ويحفظ القانون كيانها ، ويقوي أواصرها ، ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة.

المادة (10): ترعى الدولة النشء وتحميه من الاستغلال وتقيه الإهمال الأدبي والروحي.

المادة (29): الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين.

المادة (31): لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون، ولا يعرض أي إنسان للتعذيب أو للمعاملة الحاطة بالكرامة.

ونظراً لأن هذا النوع من الجرائم قد أخذ طابعاً دولياً ، حين عبر مرتكبوها بها الحدود لتقع الجريمة أو تمتد آثارها في أكثر من دولة.
 

ومن هنا فقد اضطر المجتمع الدولي للتحرك ليدفع عن نفسه شر هذا النوع من الجرائم الخطيرة ، عن طريق وضع القواعد التشريعية والتدابير الوقائية لمواجهة (الجريمة المنظمة عبر الوطنية) وذلك في صورة عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي خصصت لمكافحة الجريمة في بعض صورها الشائعة ، بهدف الحد من آثارها على المستويين الدولي والداخلي ، وعنيت هذه الاتفاقيات بأن توجب على الدول الأطراف تضمين تشريعاتها الوطنية القواعد اللازمة لتجريم هذه الأنشطة تاركة تحديد العقاب المناسب عنها لكل دولة وفقاً لظروفها الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا الاتجاه اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر من عام 2000 اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولين المقترنيين بها والمكملين لها ، أولهما لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال ، والثاني لمكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو. وقد صدقت دولة الكويت على هذه الاتفاقية البروتوكولين المقترنيين بها بالقانون رقم (5) لسنة 2006 ، بعد أن أضحى من اللازم اتخاذ التدابير التشريعية الجزائية الملائمة لمواجهة هذه الجرائم بتوصيفها ووضع العقاب المناسب لكل منها ومن ثم تحقيق التكامل مع القواعد العامة الواردة في قانون الجزاء للحد من هذه الجريمة.

وإيماناً بأن القدرة على مكافحة الاتجار بالبشر تتطلب أدوات تكوينية جد فاعله فقد نظم معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية بالتعاون مع وزارة العدل – هذه الدورة التدريبية - ذات الطابع الخاص- فقد حاضر فيها البروفسور محمد مطر من جامعة جون هيكنز من أجل تعميم الفائدة أعضاء السلطة القضائية والأجهزة المعاونة لهم وكذلك لفائدة منتسبي وزارة الداخلية وتعريفهم بالقوانين الدولية ذات الصلة وتقدير حجم مشكلة الاتجار بالبشر ، وتبدي ذلك في سياق محدد ، وصوغ استراتيجية فعالة وعملية بشأنها ، وتنمية القدرة اللازمة لتطوير الاستراتيجيات ، ثم تطوير وتنفيذ الإجراءات والممارسات الفعالة الخاصة بتنفيذ القوانين، وبالشئون القضائية ووضع تدابير لتسهيل طرائق تحديد هوية ضحايا الاتجار بالأشخاص وتوفير الحماية والمساعدة لهم وأخيراً العناية بمسألة وضع ضحايا الاتجار الخاص بالهجرة واعتماد تدابير لتيسير إعادتهم إلى أوطانهم أو إعادة توطينهم وإدماجهم في المجتمع.

وعلى الرغم من كل تلك الجهود المبذولة ، يبقى التحدي قائماً ، لما تتصف به جريمة الاتجار بالبشر من قدرة حركية وقابلية للتكيف بحسب الظروف ، ولأنه - على غرار كثير من أشكال الأنشطة الإجرامية الأخرى - نشاط دائم التغير يحاول أن يحبط الجهود التي تبذلها سلطة القانون لمنعه ، لكن أنماط الاستجابة في التصدي للمشكلات الناجمة عن هذه الظاهرة الإجرامية أخذت تتغير بوتيرة سريعة أيضاً وخصوصاً بفضل اعتماد الأمم المتحدة تعريفاً متفقاً عليه لهذه الظاهرة الإجرامية في نوفمبر 2000، كما أننا نتعلم يومياً دروساً جديدة عن الطرق التي تعد أكثر فاعلية في توفير الحماية والمساعدة لضحايا هذه الجرائم ، ويجدر بنا التنويه بأن جهود دولة الكويت الواضحة تعتبر عاملاً حاسماً في تحقيق النجاح لمعظم مبادرات التدخل من أجل مكافحة الاتجار بالبشر مع ما تتطلبه من تعاون دولي قوي في هذا المجال وخصوصاً أن العالم حالياً صار يتحدث عن عولمة الاتجار بالبشر.